ظاهرة الانزیاح فی شعر الصعالیك - دراسة أسلوبیة
الملخص :
لقد بلغت الرحلة مع شعر الصعالیك نهایتها، فبعد مسیرة بحث شاقة تناولت فیها ظاهرة الانزیاح فی شعر الصعالیك، یمكن تأشیر النتائج والمقترحات التی توضح خصائص الأسلوب فی شعر الصعالیك، بمستویاته الثلاثة: التركیبی، والدلالی، والإیقاعی، وكما یأتی:
أولا: المستوى التركیبی:
مثل كسر الرتابة المألوفة فی الوقوف على الأطلال فی مقدمة القصیدة عند الصعالیك انزیاحا عن التقالید المألوفة فی مقدمة القصیدة فی الشعر القبلی، وتجلى أثره فی الكشف عن رؤى الصعلوك ومواقفه الذاتیة فی الحیاة وقضایا الوجود من حوله.
أسهم التقدیم والتأخیر بالانحراف بنظام الجملة عن ترتیبها المألوف إلى مستویات وتراكیب أخرى، تجلى أثرها فی تجدید تجربة المتلقی بالنص ونسیجه الجدید ؛ بما أنشأته من دلالات متنوعة أشار إلیها الباحث فی أماكنها.
أسهم الاعتراض فی إیقاف سیر السرد الشعری، وإیقاف المسیرة المدلولیة للألفاظ فی تتابعها التركیبی، ونبه الذهن إلى دلالات أخرى لها أهمیتها فی الكشف عن رؤیة الصعلوك لذاته وقضایا الوجود من حوله .
أسهم الحذف فی تولید الغموض، وجعل شعرهم قابلا لكثیر من أوجه التأویل، وكان له أثره فی جذب انتباه المتلقی والدفع بتخیله لما هو مقصود من دلالات المحذوف، فحقق تفاعلا بین المرسل والرسالة والمتلقی، ونأى بالخطاب عن الملل والإطناب وانزاح به نحو الشعریة والإیجاز.
مثل الالتفات انزیاحا أسلوبیا أسهم إلى حد كبیر فی كسر توالی الخطاب على وتیرة واحدة، وأحدث تنوعه تنوعا فی الأسالیب، وكان له دور مهم فی مفاجأة المتلقی وهو ینتقل بین السلب والإیجاب، كما أنتجت بواسطته دلالات جدیدة عبرت عن رؤیة الصعلوك وأفكاره ومشاعره الداخلیة الخاصة .
كما أسهم الالتفات فی كسر الزمن فی رؤیة الصعالیك، فتحول إلى زمن مستقبلی ارتبط بالإنسان فی اتجاهه صوب الأعلى، وانزاح عن رؤیة الماضی بدلالته البائدة متجها نحو المستقبل فی سبیل تغییر العالم، فكان زمنا تاریخیا عكس دائرة الزمن القبلی.
انزاحت الأسالیب الإنشائیة فی مدلولاتها الشعریة عند الصعالیك عن الأصل الموضوع لها إلى دلالات أخرى كشفت فی معظمها عن معاناة الصعلوك الداخلیة، وأفكاره ورؤاه ومواقفه الذاتیة فی الحیاة ؛ فأضفت الحیویة على الصیاغة، وكسرت عناصر الثبات والاستقرار التی قد تسیطر على الصیاغة الخبریة فی بعض مستویاتها الأسلوبیة.
ثانیا: المستوى الدلالی:
كان لقلب ترتیب البنى الأصلیة فی صور التشبیه، وإخفاء وجه الشبه وانتزاعه من متعدد، وتداخل الصورة التشبیهیة وتنافر طرفیها أثره فی قلب مدلولات الخطاب الشعری، وتعمیق الصورة وتكثیفها، وتحویلها من إطارها البسیط إلى صورتها المركبة ؛ بما أسهم فی خصوصیة الصورة وتمیزها فی شعر الصعالیك، ولفت انتباه المتلقی إلى دلالتها وغرابتها ؛ بما تحمله من عنصری التجسید والتشخیص .
تجاوزت الدوال المعجمیة دلالاتها الأصلیة إلى دلالات أخرى إیحائیة، بواسطة ما احدثته الاستعارة من مفارقة دلالیة أتاحت للصعلوك أن ینقل خطابه من العادی المباشر إلى الشعری غیر المباشر، فحول المعنوی إلى حسی، والمجرد إلى محسوس، بصورة الاستعارة التی كشفت عن رؤیة الصعلوك المنــزاحة للحیاة وقضایا الوجود من حوله، فحققت لأسلوبه خصوصیة تمیز بها من غیره من الأسالیب.
حققت الكنایة انزیاحا عن المألوف والعادی تمثل فی تجاوز الدوال أصلها المعجمی إلى دلالات أخرى إیحائیة مع الاحتفاظ بدلالاتها الأصلیة، فارتبطت الدوال وهی تنهض بالصورة الكنائیة بمدلولین الأول معجمی غیر مقصود، والثانی رمزی إیحائی هو المقصود. وأتاحت للصعلوك أن ینقل المجرادات والمعنویات إلى عالم المحسوسات بصورة رمزیة كشفت فی معظمها عن أفكار الصعلوك ومواقفه الذاتیة ورؤاه الخاصة به، وابتعدت بخطابه عن المباشرة والوضوح وانزاحت به نحو الشعریة والتلمیح.
أسهمت المنافرة فی كسر السیاق الأسلوبی، ومنعت جریان الخطاب على وتیرة واحدة، مما أثارت المتلقی ورفعت درجة التوتر لدیه وهو ینتقل بین السلب والإیجاب، كما كشفت عن مشاعر الصعلوك ورؤاه المتضاربة، التی كشفت عنها بنیة التضاد وصوره المتنافرة. ولعل كثرة استخدام أسلوب التضاد فی شعرهم مشدود إلى محور الصراع الذی یدور علیه شعر الصعالیك بكل أشكاله وصوره.
الغالب على الصورة عند الصعالیك هو تكثیفها وبروزها فی شكل مركب متباعدة الأطراف، ویكشف هذا عن احساسهم باللاإنتماء إلى عالمهم المحیط بهم، فتراءت لهم الأشیاء متباعدة الأطراف لیستقل كل طرف منها بكیان ولا یجمعها رابط خارجی، خصوصا أنهم عاشوا بعیدین عن المجتمع الإنسانی وخالطوا الوحوش والأشباح ولاذوا إلیها مع بعد الفوارق بینهم وبینها. فأسسوا بذلك انتماء جدید إلى المجتمع الصحراوی.
ثالثا: المستوى الإیقاعی:
بروز التضمین بشكل مكثف ولافت أدى إلى تحقیق الترابط العضوی والتلاحم المعنوی بین أبیات القصیدة الشعریة عند الصعالیك، وساعد بدوره فی بروز العنصر القصصی الذی تمیز به شعرهم من سواه من الشعر الجاهلی، وكان له أثره فی إیصال رغبة الصعلوك عبر مساحة واسعة من القول إذ استطاع أن یكشف عن تجربة الشاعر الصعلوك الإنسانیة الألیمة المفعمة بالمرارة والألم، وبث ما یتصارع فی نفسه من رغبات وفی ذهنه من رؤى وأفكار، كما أتاح له أن ینقل الكثیر من مغامراته التی عبر عنها بصورة قصصیة متماسكة الأجزاء، مترابطة المشاهد، إضافة إلى تحقیقه غایتین جمالیتین هما: التناسب، والتوتر الذی ینتج عن الصراع فی نهایة الأبیات، وطرفا الصراع هما القافیة والتعلق.
كثرة الالتزام بما لا یلزم فی قوافی الصعلوك بصورة مكثفة ولافتة، خروجا عن الشائع فی استخدام الشعراء، وانزیاحا بالأسلوب نحو التنویع والإثارة، فحینا یكون الالتزام بزیادة حروف وحركات بخلاف صوت الروی وحركته، وحینا یلتزم (سناد الردف) بالیاء والواو، وكل ذلك قد ساعد على مد الإیقاع وتنویعه، مما أتاح للصعلوك مجالا واسعا للبوح، وتنویع النغم.
عدم احتفال شعر الصعالیك بالتصریع فی أغلب مطالعه یرجع إلى تمرده الاجتماعی على التقالید القبلیة، والذی انعكس بدوره على بنائه الفنی بغیر قصد، كان لذلك أثره فی تمییز أسلوب الصعالیك عن سواه، من خلال كسر الرتابة المألوفة فی شكل القصیدة الجاهلیة، فأثار به المتلقی وحلت المفاجأة بدل التوقع.
بروز التكرار اللفظی والنمطی بقوة فی شعر الصعالیك، كان السبب الرئیسی فی تطویل الشعر وهذا یدل على میل شعرهم إلى الإیقاع أكثر من انحیازه إلى تجلیات الشاعریة، إذ إن التكرار قد ینافی لحظات التوهج الشعری التی تشتعل عادة فی زمن غیر متطاول، وتتجلى فی كلمات لیست كثیرة، إذ الشعر فن زمانی فی الأصل لا تتحدد جودته بالإطالة مثل أن تتحدد بالتمیز والتوهج والإیجاز. لكن هذا لا یعنی عدم وجود نماذج شعریة متمیزة یخف فیها التكرار ویزداد فیها التوهج إلى أن یصل إلى أفق الشعریة والإبداع، كما نجده فی شعر الشنفرى وتأبط شرا وأشعار الهذلیین .
تجلت الانزیاحات السابقة فی هیئات متعددة، وصور متنوعة، ودرجات مختلفة تقل عند شاعر وتكثر أحیانا عند شاعر، كما أفرزت معانٍ ودلالات متعددة أشار إلیها الباحث فی أماكنها.
وأما على مستوى الأسلوب بصورة عامة فقد ظهر:
أن الانزیاح فی شعر الصعالیك لم یكن بمعزل عن البلاغة كما رأینا، بمعنى أن خروجهم عن التقالید الفنیة لم یكن فعلا قصدیا، إذ الغالب على الأسلوب عندهم التمسك بالقیم الفنیة، وهذا التوافق یوافق إلى حد بعید الروح الأخلاقیة التی تحلو بها، ورسموا بها مذهبهم فی فلسفة التصعلك، لذا كان الانزیاح لدیهم وسیلة نحو الشعریة، لا یهدم اللغة إلا لیعید تشكیلها من جدید.
یكشف الانزیاح فی مظاهره المختلفة عن رؤیة الصعلوك المنــزاحة للحیاة وقضایا الوجود من حوله، إذ إنزاحت معه رؤیته إلى الذات، والمكان والزمان، ورؤیته للآخر (الرفیق والمرأة)، ورؤیة لقضایا الوجود من حوله كرؤیة الحیاة والموت.
أن السمات الأسلوبیة الدالة على تفرد أسلوب الصعالیك قد ظهرت بوضوح فی الموضوعات الشعریة التی طرقوها؛ إذ تمیز أسلوبهم الشعری بموضوعات متفردة قل نظیرها فی الشعر الجاهلی، كانفراده بعنصر السرد القصصی، وأحادیث المغامرات، وشعر المراقب، والواقعیة فی رسم الأحداث والاشتراكیة .
شعر الصعالیك فی خصوصیته الأسلوبیة أشبه ما یكون بالمذكرات الشخصیة التی یدون بها الشخص أفكاره ومشاعره وما یحسه حوله فی موقف من المواقف، وموقف الصعالیك هو الصعلكة بما یلابسها من أسباب تدفع إلیها كالفقر والحاجة إلى الانتماء، وآثار تتمخض عنها، بمعنى أن الذاتیة فی رسم الأحداث والمواقف قد طبعت شعر الصعالیك ومیزته من الشعر الجاهلی، والفارق بینهما أن الموضوعات المألوفة التی طرقها الشعر الجاهلی هی نفسها موجودة فی شعر الصعالیك وإنما الفارق بینهما القصد والاتجاه، فشعر الصعالیك لا یتجه اتجاها مقصودا إلى اتخاذ الموضوعات، فإذا أراد وصف الطبیعة مثلا فإنما یصفها فی إطار ارتباطه بها ولیس بمعزل عنها، إذ إنها لیست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو شخصیة الصعلوك نفسها وحیاته، وما یحس به من أفكار ومشاعر ومواقف.
أن سهولة الأسلوب فی لغة الشعر عند الصعالیك یعنی أن الشعر عندهم لم یكن حرفة تقصد لذاتها، ویفرغ صاحبها لتجویدها والوصول بها إلى المثل الأعلى، وإنما كان الشعر عندهم وسیلة لتجسید مفاخرهم ومغامراتهم، أو ینفسون بها عما تضیق بها صدورهم، أو یدعون إلى مذهبهم فی الحیاة لعلهم یجدوا من یؤمن بها وینضم إلیهم، وینطبق هذا على شعر عروة، على حین تخف هذه السهولة فی شعر الشنفرى واشعار الهذلیین.
أن الانزیاح بكل أشكاله التركیبیة والدلالیة والإیقاعیة قد ارتقى بخطاب الصعلوك إلى درجة الشعریة، وأن الشعریة لم تكن قیمة خاصة بخطابهم الأدبی فی ذاته، وإنما فی قدرة ذلك الخطاب على إیقاظ المشاعر الجمالیة فی المتلقی، أو إثارة الدهشة غیر المجانیة، أو خلق الحس بالمفارقة، أو إحداث نوع من الفجوة: مسافة التوتر، أو كسر بنیة التوقعات لدى المتلقی، أو بعث اللذة وإثارة الاهتمام لدى القارئ أو المستمع.
أن شعر الصعالیك بما یمتاز به من خصائص فنیة وموضوعیة، یشكل جزءا مهماً من الثقافة العربیة فی تراثنا القدیم، والتی تنعكس بصور شتى فی النتاج الشعری، ویظل فی لغته أقرب إلى الفطرة السلیمة وأصدق تمثیلا لها. لذا یوصی الباحث بدراسة البنیة اللغویة فی شعر الصعالیك، دراسة لغویة دلالیة، بوصفها المادة الأولى للدلالة المعجمیة.
وفی الختام فإنی إذ أحمد الله على مدده وعونه وتوفیقه، أسأله جل وعلا أن یغفر لی ما فی هذا العمل من نقص أو تقصیر، فقد اجتهدت وبذلت من الجهد ما أحسب أنی قد أدیت فیه واجب البحث والدراسة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین ، والصلاة والسلام على سید الخلق، محمد وعلى آله وصحبه أجمعین.
یاسی که بود...یاس کبود